نحن الآن في رمضان. الشوارع تزدان بالفوانيس، والروحانية تعم الأجواء. لكن داخل مكاتب الشركات، هناك قصة أخرى تدور بصمت. تدخل المكتب في العاشرة والنصف صباحاً. الهدوء يعم المكان. الحركة بطيئة نوعاً ما. لا توجد رائحة قهوة، والوجوه يكسوها نوع من "السكينة الثقيلة".
كأي مدير أو مؤسس، يدور في ذهنك صراع داخلي: جزء منك متعاطف: "الشباب صائمين، الله يتقبل، لازم نخفف عليهم". وجزء منك قلق: "لكن الشغل واقف! والمبيعات هديت، والكل يأجل لبعد العيد.. هل بنجلس كذا شهر كامل؟".
رمضان، بالنسبة للإدارة، هو التحدي السنوي الأصعب. هو الشهر الذي تختبر فيه كفاءة "نظامك" لا كفاءة "أفرادك". المعضلة ليست في الصيام، فالصيام يعلم الانضباط. المعضلة تكمن في محاولتنا إدارة "يوم عمل رمضاني" بنفس أدوات وتوقيتات "يوم العمل العادي". وهذا يشبه محاولة تشغيل سيارة ديزل بوقود بنزين؛ النتيجة المحتومة هي العطل.
في هذا المقال، سنعيد هندسة يوم العمل في رمضان. لن نطلب منك أن تكون قاسياً، ولن نطلب منك أن توقف العمل. بل سنعلمك كيف تعمل مع "الساعة البيولوجية" لفريقك، وكيف تحول هذا الشهر من "شهر تأجيل" إلى "شهر تنظيف وإنجاز".
إدارة "منحنى التركيز": لا تسبح ضد التيار
بعيداً عن التعقيدات الطبية، لنعترف بالواقع: نمط النوم والأكل يتغير جذرياً في رمضان. الأغلبية تسهر، والدوام يبدأ متأخراً. هذا الواقع يفرض علينا كمدراء التعامل مع "مخزون طاقة ذهنية" محدود ومتقلب لدى الفريق. المدير التقليدي يوزع المهام حسب "الأهمية". المدير الذكي في رمضان يوزع المهام حسب "توفر الطاقة". وبما أن أغلب الموظفين يصلون للعمل وهم لا يزالون تحت تأثير النعاس أو السهر، فالحل يكمن في تقسيم الدوام إلى منطقتين مرنتين:
1. منطقة الإحماء والتركيز (أول 3 ساعات من الدوام): رغم السهر، تظل الساعات الأولى بعد الوصول للمكتب هي "الأفضل نسبياً" مقارنة بنهاية الدوام. الجسم لا يزال محتفظاً ببعض الطاقة، ولم ينهكه الجوع والعطش بعد.
- نوع المهام: استغل هذا الوقت لإنجاز "المهام الذهنية" التي تتطلب صفاءً (كتابة، برمجة، اتخاذ قرارات).
- القاعدة: حاول "عزل" الفريق في هذه الساعات عن المشتتات. لا اجتماعات، لا مقاطعات. دعهم ينجزون أصعب ما لديهم قبل أن يبدأ المؤشر بالهبوط.
2. منطقة "الطيار الآلي" (آخر ساعتين قبل الانصراف): هنا يبدأ التحدي الحقيقي. الجوع والعطش وقلة النوم تبدأ بالسيطرة، والذهن يبدأ بالاستعداد للمغادرة والإفطار.
- نوع المهام: هذا وقت المهام الروتينية التي لا تتطلب تفكيراً عميقاً (أرشفة، ردود سريعة، ترتيب ملفات).
- القاعدة: لا تطلب "إبداعاً" في الساعة الأخيرة. ولا تطلب تحليلاً معقداً قبل الإغلاق. هذا وقت "تشغيل اليدين" وليس "تشغيل العقل".
فيروس "خليها بعد العيد": كرة الثلج القاتلة
أخطر جملة تسمعها في ممرات الشركة في رمضان هي: "بسيطة.. نخليها لبعد العيد". قد تبدو جملة بريئة ومريحة. لكنها في الحقيقة "فيروس" إداري. تخيل أن لديك 5 موظفين، كل واحد منهم أجل 5 مهام صغيرة لبعد العيد. النتيجة: في أول يوم دوام بعد العيد (يوم شوال)، ستواجهون "جداراً" مكوناً من 25 مهمة مؤجلة، بالإضافة لمهام الشهر الجديد!
هذا التراكم يخلق ضغطاً نفسياً هائلاً يجعل العودة من الإجازة كابوساً، وقد يتسبب في شلل تام للشركة في أول أسبوعين من شوال.
الحل: قاعدة الـ 15 دقيقة طبق هذه القاعدة بصرامة مع فريقك: "أي مهمة تتطلب أقل من 15 دقيقة لإنجازها، ممنوع تأجيلها لبعد العيد". توقيع ورقة؟ رد على إيميل؟ إرسال عرض سعر؟ افعلها الآن. نؤجل فقط المشاريع الكبرى التي تحتاج أياماً من العمل. أما المهام الصغيرة، فيجب "قتلها" فوراً حتى لا تتكاثر.
حمية الاجتماعات (Meeting Diet): رشاقة إدارية
رمضان هو الفرصة الذهبية لتطبيق "التقشف" في الاجتماعات. الاجتماعات الطويلة في رمضان هي مضيعة للطاقة والوقت، وغالباً تنتهي بلا قرارات لأن الجميع يريد المغادرة.
إليك بروتوكول الاجتماعات الرمضاني:
- الاجتماعات الواقفة (Stand-ups): اجعل الاجتماعات الصباحية وأنتم واقفون. لا كراسي، لا ضيافة، لا مقدمات طويلة. 10 دقائق لتوزيع المهام وانتهينا. الوقوف يجبر الجميع على الاختصار.
- حظر ما بعد الظهر: ممنوع عقد أي اجتماع بعد الساعة 1:00 ظهراً. اترك هذا الوقت للعمل الفردي الهادئ.
- الهدف الواحد: الاجتماع يجب أن يكون لمناقشة "نقطة واحدة" فقط. تعدد المحاور يشتت الصائمين.
فرصة "التنظيف العميق": استغل الهدوء
في كثير من القطاعات (B2B خاصة)، يهدأ رتم السوق والعملاء في نهار رمضان. بدلاً من أن تجلسوا وتشتكوا من "ركود السوق"، حولوا هذا الهدوء لفرصة ذهبية لا تتكرر: تنظيف البيت الداخلي.
طوال السنة، ننشغل بخدمة العملاء ونهمل ترتيب ملفاتنا. رمضان هو شهر "التصفية" Backlog Clearing:
- أرشفة الملفات القديمة.
- تحديث قاعدة بيانات العملاء (CRM).
- مراجعة العقود مع الموردين.
- إغلاق الحسابات المعلقة.
اجعل شعار الشهر: "سندخل العيد ونحن على صفحة بيضاء (Zero Backlog)". هذا الإنجاز سيعطي الفريق شعوراً رائعاً بالإنجاز والراحة النفسية قبل الإجازة.
النظام هو "موقّر الطاقة" الأول
أخيراً، تذكر أن الفوضى هي العدو الأول لطاقة الصائم. كل دقيقة يقضيها فريقك في البحث عن معلومة تائهة أو تصحيح خطأ مالي هي دقيقة مخصومة من إنجاز أهم. الترتيب المالي والإداري يمنح فريقك "مساحة ذهنية" للتنفس والتركيز. في "باي فلو"، نؤمن دائماً أن الأرقام المرتبة تصنع قرارات واضحة، وتزيل العبء الخفي الذي يثقل كاهل الإدارة. اجعل هدفك هذا الشهر: أرقام دقيقة، وذهن صافٍ.
الخلاصة: العيد فرحة.. لا تجعله ورطة
رمضان شهر بركة، والعمل عبادة. لا تسمح لثقافة "النوم" و"التأجيل" أن تتسرب لشركتك. بالعكس، اجعله شهر التركيز العالي في ساعات أقل. طبق هندسة الوقت، حارب التأجيل، واستغل الهدوء لترتيب أوراقك.
صدقني، عندما تعودون في شوال لتجدوا مكاتبكم مرتبة، ومهامكم منجزة، وبريدكم خالياً من المؤجلات.. ستشعرون بفرحة عيد حقيقية مضاعفة.
ابدأ حملة "لا للتأجيل" من اليوم. شارك هذا المقال مع مديريك وموظفيك، واتفقوا على ميثاق عمل رمضاني ذكي. رمضان كريم، وعمل مقبول، وإنجاز لا يتوقف.
