رسم توضيحي لرجل أعمال يجلس يائسًا على الأرض محاطًا بأوراق متناثرة وسهم بياني أزرق كبير مكسور، مع وجود رموز لعملات الدولار في الخلفية، مما يعبر عن الخسارة المالية الحادة أو انهيار الاستثمار.

هل تبيع الوهم؟ الحقيقة القاسية وراء اقتصاديات الوحدة اللي ممكن تدمر شركتك

January 28, 2026

في عالم ريادة الأعمال، هناك مشهد درامي يتكرر كل يوم: مؤسس يقف أمام شاشة تعرض داشبورد المبيعات. الرقم أخضر وكبير: مبيعاتنا هذا الشهر وصلت مليون ريال! نمو 30% عن الشهر الماضي!

تتصاعد التصفيقات في الاجتماع، والجميع يشعر بنشوة الانتصار. لكن في نهاية الشهر، عندما يحين موعد تحويل الرواتب، يقف نفس المؤسس أمام شاشة أخرى: الحساب البنكي.

المفاجأة الصادمة: الحساب شبه فارغ. السيولة مخنوقة. والشركة تضطر للاقتراض أو تأخير المستحقات لتعيش شهراً آخر.

كيف لشركة تبيع بالملايين أن تكون مفلسة؟

الجواب لا يكمن في قلة المبيعات، ولا في وضع السوق، ولا في المنافسين. الجواب يختبئ في معادلة رياضية صغيرة جداً، غالباً ما يتجاهلها المؤسسون أثناء انشغالهم بالنمو الكبير.

هذه المعادلة تسمى: اقتصاديات الوحدة (Unit Economics).

إذا كانت هذه المعادلة مكسورة في شركتك، فكل عملية بيع جديدة ليست خطوة للأمام، بل هي خطوة أسرع نحو الهاوية.

في هذا المقال، سنترك العواطف جانباً ونستخدم مشرط الجراح لنشرح لك كيف يمكن لمنتج يبدو رابحاً أن يكون هو السبب الخفي وراء تآكل شركتك.

الخدعة الكبرى: الفرق بين الربح في خيالك والربح في الواقع

معظم المؤسسين يحسبون الربح بهذه الطريقة الكلاسيكية والساذجة:

  • سعر بيع المنتج: 100 ريال.
  • تكلفة شراء المنتج من المصنع: 60 ريال.
  • النتيجة: أنا ربحان 40 ريال في كل قطعة! (هامش ربح 40%).

هذا الرقم (40 ريال) يسمى هامش الربح الإجمالي. وهو رقم خادع جداً، لأنه يفترض أن تكلفة المنتج هي فقط سعر الفاتورة من المورد.

لكن في الواقع، لكي تصل هذه القطعة ليد العميل وتستقر هناك، يوجد جيش من التكاليف الخفية التي تنهش هذا الهامش ببطء وصمت، ونادراً ما يرصدها المؤسس بدقة في ملفات الإكسل السريعة.

الحساب بطريقة اقتصاديات الوحدة الحقيقية

دعنا نعيد الحساب لنرى أين ذهبت الـ 40 ريال:

  1. رسوم بوابات الدفع: (مدى، فيزا) تأخذ متوسط 2.5% = 2.5 ريال طارت.
  2. التغليف والملصقات: الكرتون، الشريط اللاصق، بوليصة الشحن = 3 ريال طارت.
  3. الشحن والتوصيل: حتى لو العميل يدفع الشحن، غالباً الشركة تتحمل جزءاً أو تدفع ضريبة عليه = 15 ريال طارت.
  4. التسويق لكل طلب (CAC): كم دفعت إعلانات عشان تجيب هذا الطلب؟ لنفترض 15 ريال (رقم متفائل) = 15 ريال طارت.
  5. مخصص الهالك والمرتجعات: نسبة 10% من الطلبات ترجع تالفة أو يرفض العميل استلامها وتدفع شحنها رايح جاي = 5 ريال طارت.

الحسبة النهائية الصادمة:

40 ريال (الربح المتخيل) - 2.5 - 3 - 15 - 15 - 5 = -0.5 ريال.

نعم، أنت قرأت الرقم صحيحاً. أنت تبيع المنتج بـ 100 ريال، وتخسر فيه نص ريال. أنت لا تبيع منتجاً، أنت توزع أموالك على شركات الشحن والمدفوعات والمنصات الإعلانية، وتسمي هذا بزنس.

هذا ما نسميه هامش المساهمة (Contribution Margin)، وهو الرقم الوحيد الذي يجب أن يهمك. إذا كان هذا الرقم سالباً أو ضئيلاً جداً، فشركتك في خطر وجودي.

تنويه هام: الفرق بين "طُعم الصنارة" وبين "النزيف" قبل أن تعترض وتقول: "لكن يا باي فلو، أحياناً نبيع بخسارة عمداً عشان نجذب العميل ويشتري منتجات ثانية (Loss Leader Strategy)".
نقول لك: صحيح، وهذا تكتيك تسويقي ذكي ومحترم، بشرط واحد: أن تكون الخسارة مخططاً لها ومحسوبة بدقة لجر العميل لمنتجات أخرى عالية الربحية تغطي هذه الخسارة وتزيد. لكن حديثنا في هذا المقال ليس عن "الطُعم الذكي"، بل عن الخسارة العمياء. حديثنا عن المؤسس الذي يظن أنه يربح في المنتج، بينما هو يخسر فعلياً بسبب سوء الحساب، ولا يوجد منتج آخر يعوض هذه الخسارة.

أسطورة سنعوض الخسارة عندما نكبر

هنا يأتي الرد الدفاعي المعتاد من رواد الأعمال: أنا أعرف أن ربحيتي ضعيفة الآن، لكن هدفي هو الاستحواذ على حصة سوقية. لما نبيع كميات ضخمة، راح نعوض الخسارة.

هذه هي أكبر كذبة في عالم الأعمال، وهي السبب وراء إفلاس مئات الشركات الناشئة التي جمعت ملايين الاستثمارات ثم تبخرت.

القاعدة المالية تقول بوضوح: التوسع يضخم الحقيقة.

  • إذا كان نموذج عملك يربح 1 ريال، التوسع لمليون عميل يعني ربح مليون ريال.
  • أما إذا كان نموذج عملك يخسر 1 ريال، التوسع لمليون عميل يعني خسارة مليون ريال بسرعة صاروخية.

لا يمكنك تعويض خسارة الوحدة عن طريق زيادة الكمية. الرياضيات لا تعمل بهذه الطريقة. عندما تزيد مبيعات منتج خاسر، أنت تزيد الضغط على التشغيل، تزيد عدد الموظفين، وتزيد مساحة المستودع.. وفي النهاية تكتشف أن الفجوة المالية اتسعت بدل أن تضيق.

التوسع قبل الوصول لاقتصاديات وحدة إيجابية هو انتحار مالي.

الحل العملي: تطهير المحفظة وقتل المنتجات الزومبي

بما أنك عرفت الآن خطورة الموقف، كيف تتصرف؟ الحل ل ة، وتصنفها إلى ثلاث فئات:

1. المنتجات الرابحة (The Stars)

هي المنتجات التي تملك هامش مساهمة عالي (يغطي تكاليفه المتغيرة ويساهم بقوة في تغطية الرواتب والإيجار).

  • القرار: ركز ميزانيتك التسويقية هنا. هذا هو محرك النمو الحقيقي.

2. المنتجات التي تحتاج إصلاح (The Fixers)

هي منتجات تبيع جيداً لكن هامشها ضعيف جداً أو صفري.

  • القرار: لا تستمر في بيعها بنفس الطريقة. لديك خياران: إما ترفع السعر فوراً، أو تقلل التكلفة (تغير المورد، تغير التغليف، تقلل وزن المنتج). إذا لم تستطع إصلاحها، انتقل للخطوة التالية.

3. المنتجات الزومبي (The Zombies)

هذه هي أخطر فئة. هي منتجات ميتة مالياً (تخسر في كل بيعة)، لكنها حية ظاهرياً (عليها طلب وجمهور). وجودها يعطيك شعوراً زائفاً بالحركة والنشاط، لكنها تمتص السيولة وتشغل المستودع وفريق العمل بلا طائل.

  • القرار: القتل الرحيم. أوقف بيعها فوراً، أو بعها كباقة تصفية وتخلص منها. لا تخف من انخفاض رقم المبيعات الإجمالي؛ لأنك عندما توقف بيع الخسارة، فإن أرباحك الصافية سترتفع تلقائياً.

القيمة الحقيقية: التحول من هوس المبيعات إلى هوس الربحية

في عام 2026، لم يعد هناك مكان للشركات التي تحرق الأموال لتنمو. المستثمرون، البنوك، وحتى السوق، الجميع يبحث عن الاستدامة والربحية.

القوة الحقيقية ليست في أن تقول بعت بمليون، بل أن تقول أدخلت للبنك 200 ألف صافية.

هذا التحول في التفكير يتطلب شجاعة. يتطلب أن تعترف بأن بعض منتجاتك الأكثر مبيعاً قد تكون هي سرطان الشركة. ويتطلب أن تتخذ قرارات غير شعبية مثل رفع الأسعار أو إيقاف منتجات يحبها الناس لكنها لا تربحك.

دور باي فلو: نحن المجهر الذي يكشف التفاصيل

قد تقول: كلام جميل، لكن من أين لي بالوقت والقدرة التحليلية لحساب تكلفة الكرتون والملصق ورسوم الفيزا لكل منتج بدقة؟ أنا بالكاد ألحق على الفواتير.

هنا يأتي دور باي فلو. معظم المحاسبين التقليديين يكتفون بتسجيل المبيعات والمشتريات. هذا لا يكفي. نحن في باي فلو نلعب دور الشريك المالي الاستراتيجي.

نحن نغوص في التفاصيل المجهرية. نربط تكاليف الشحن، ورسوم بوابات الدفع، والمرتجعات، بكل عملية بيع. ونقدم لك تقارير تخبرك بوضوح: المنتج أ يربحك، والمنتج ب يخسرك، والخدمة ج تحتاج إعادة تسعير.

نحن لا نعطيك مجرد أرقام، نحن نعطيك خارطة طريق للربحية.

لا تدع أرقام المبيعات الكبيرة تخدعك وتخفي عنك حقيقة ما يحدث في قاع شركتك. النمو الحقيقي هو نمو الأرباح والكاش، وليس نمو عدد الطلبات.

إذا كنت تشك أنك تبيع الوهم أو تعاني من نقص سيولة رغم ارتفاع المبيعات، فقد حان الوقت لتدقيق اقتصاديات الوحدة الخاصة بك. لا تنتظر حتى تجف السيولة تماماً.

احصل على خدمة تسعير المنتجات من باي فلو. دعنا نحلل منتجاتك ونساعدك في بناء هيكل تسعير يضمن لك الربح في كل عملية بيع، من أول ريال إلى آخر مليون.

تواصل معنا اليوم لتصحيح المسار